سر القط
يسير في ظلمة الليل، لا يدري إلى أين، يترنح، لكنه يتماسك، يسعل، ثم يعبث بفرائه حيناً آخر، التعب قضى وطره منه. يمشي رغم ذلك و هو في أعماقه يقصد اللامكان، و لولا غريزة الحياة لبقي على الأرض و أسلم جثته للكلاب و الوحوش، مثل ذلك الوحش الذي نجا منه بأعجوبة، و لو آمن بالجحيم لما هابه أكثر منه، التقطه في ليلة شابهت هذه الليلة ظلاماً و نحساً، ليجد نفسه في عالم مختلف، سماؤه ضيقة معدومة الزرقة، مليء بالحواجز، طرقه غريبة و زلقة، لا يغطيها التراب الذي ألفه، و إنما شيء آخر لا يستطيع تحديده، يجمع بين برودة الماء و قسوة الحجر. و نظر إلى صاحبه الآدمي فرآه جميلاً، ضئيلاً مقارنة بأشباهه، لكنه لم يرتح إليه، كما لا يرتاح للماء البارد، و قد أغرقه فيه مراراً و تكراراً، و هو يصيح ألماً و خوفاً، لكن صرخاته لا تقابلها سوى ضحكات جوفاء من الوجه الجميل، عابثة تحمل قسوة سطحية جذورها جهل و لا مبالاة، من كائن يحسب نفسه صدر الكون. و كان يفر منه، يهرب من دنياه الضيقة إلى دنيا الله الواسعة، تلك التي أوحشته سماؤها و ترابها و أشجارها الفارعة، لكنه ما يلبث أن يقبض عليه في لحظة و مكان غير مت...









