أم الشهيد
أدركت أنها لا تتنفس الهواء فقط ، بل إن معظم النفس الذي يملأ صدرها هو رائحته ، رائحة وجوده بقربها و استشعارها للأمان الذي يشع كالهالة المحيطة به ، أمان تحسه حين تراه نائماً أو مفيقاً ، حين تسمع ضحكته أو صراخه و هو يلعب البلاي ستيشن ، و حين تراه يأكل فتشعر أن الطعام دخل في جوفها و سرى في كل خلية من خلاياها كما يسري حبه ، أدركت أن حب ابنها ليس مجرد حب بل هو نفس ، و ذاك حين شعرت بالكتمة و الاختناق في صدرها كأن الهواء قد نفد لمجرد تفكيرها في أن هذا الابن قد يرحل عنها ، و قد يأخذه الموت . كانت قد بدأت تستشعر بإحساس أمومتها تغير ابنها و انكفاءه على نفسه لساعات أطول مما اعتاده ، تسأله فيجيبها أنه مرهق من التفكير في أوضاع البلد ، و تخشى من إجابته ، و تخشى أن يقوده التفكير إلى فعل ما ، لكنها تحاول تكذيب إحساسها ، لعل الولد يفكر في الحب و يستحي أن يصدق معها ، حب وطن أم حب فتاة ؟! كل شيء يتمثل لها بهيئة وحشية تهددها بخسارته ، و كل فكرة تقودها للخوف. و حين أتى ذلك اليوم ، زارتها رهف بنت الجيران ، بأعين دامعة تحاول ابتلاع دموعها ، و أنفاس متسارعة تحاول إبطاءها ، و قلب...




