زائرة المتحف
الأحلام تتبدل مثل قطع الملابس ، ألم تكن تلك الفتاة الشابة تأمل أن تدرس الفنون الجميلة و تشبع ذلك الشغف داخلها ? لعلها كانت كذلك ، أو أنني أؤكد بالفعل أنها رغبتها الأصلية ، ليس مجرد زعم إن كنت أعرفها على المستوى الشخصي ، فتاة كانت جميلة و رشيقة مثل وردة ، تنبض بالحب المرادف للحياة ، إنك حين تراها تتساءل من أين لها هذا الينبوع المتدفق ? أليست مثلنا .. تعيش العمر الذي يعد في الحساب شبابا و لكنه شيخوخة الصبا المراهق ، تتلاشى فيه آخر بقايا الطفولة ? نحن نتنفس هواءاً جديدًا لأول مرة فمن أين لنا بذلك الاندفاع و الحماس ? و رغم سعادتها الظاهرة ، شيء ما كان ينغزني تجاهها ، أحسست برائحة أمقتها كلما اقتربت منها ، رائحة سيئة تجعلني أنفر من مجلسها ، أهي تشي بالقذارة? لا أبداً ، بل شيء مثل حزن أو اختناق ، خوف نوعاً ما ، يشبه رائحة الكذب ! تلك الفتاة كاذبة في شيء ما ، لا أدري ما هو ? لكن الحقيقة حين تختنق تترك رائحة ، كأنها جثة متدارية ، و قد بدأت رائحتها تزداد سوءا مع الوقت ، و ابتعدت بذلك و رأت العزلة خيرا لنفسها من إهدار كرامتها أمامنا ، أنسيت أن أقول إنها زميلتي في كلية الطب ? كنت أغدو كل صباح إلى متحف الجامعة قبل أن أتجه إلى القاعة ، لأؤدي طقوسي المقدسة ، هناك عدد من العظام و الهياكل و الأعضاء المحنطة ، لا أدري منذ متى ، لكن المرعب هو التفكير في مصدرها ، مجرد أموات ، لم يعد يهمهم أن تعرض بقاياهم للفرجة ، و كنت أراها هناك ، إلى جانب جنين غارق في صمت مطلق ، كتم الموت صوته قبل أن يصرخ . و العجيب أني كلما رأيتها في المتحف مستسلمة لحزنها ، لم أجد منها أثراً لتلك الرائحة . حرت في أمرها ، لا يجوز ألا أحتار ، إنها تبدو سعيدة دائماً خارج حدود هذا المتحف ، و لكن رائحتها تصبح طيبة داخله ، ما الحقيقة التي تحتجز داخلها و لا تتنفس إلا في هذا المكان ? رأيتها تمسك بالهيكل العظمي و تتحسسه ، و ربما حركت شفاهها قليلاً فهمست له بسرها ، و هو لا يستطيع أن يرد عليها ، إني أريد أن أكلمها ، و تجرأت على ذلك ، ألست أجدر من ذلك العظم الأصم الذي تبوحين إليه و هو غارق في موته لا يعبأ بك ? اسمعي يا فتاة ، ما هو السر الذي تخفينه ? أنا مجرد زميلة بالكاد تعرفينها ، و لا يوجد سبب للوثوق بي ، كما أنها المرة الأولى التي أكلمك فيها و أنا أطلب منك أن تكشفي لي سرك!!
- إنني أختنق ، لست شيئًا على الإطلاق ! سأخبرك بسري لأنك غريبة ، أنت خارج حياتي ، مثل هذه العظام التي أبوح إليها ..
لم يعجبني التشبيه.. أكملت: أحلم أن أكون طبيبة !
نظرت إليها بدهشة ثم تندت مني ابتسامة و أنا أقول : من الحسن أنك في كلية الطب ، و عندما تتخرجين لن تكوني مهندسة .
قالت دون أن تعبأ بمداخلتي : يفترض أن أحلم بذلك ، لكني لم أرغب يوماً في أن أكون طبيبة ، طفولتي كانت تميل إلى الفن ، حلمت أن أدرس الفنون الجميلة و أصقل موهبتي و أسير مع تيار ميولي ، لم أفلح في ذلك ، جميع من حولي كانوا يقولون لي كوني طبيبة ، صدقت أني أريد ذلك ، و قررت أن أستبدل حلمي بحلم جديد ، علوم طبيعية و أنسجة و أعضاء ، أحببت أن أتصور أنني شخص آخر ، غير هذه البنت التي لا تهوى سوى الفنون الجميلة ، إنسان يود أن يكون طبيباً ، لكني حين حاولت أن أخلق نفساً جديدة و ألبس ثوباً جديدًا ، عجزت عن خلع نفسي القديمة ، فاختنقت تحت الكذب و النفاق ، أرأيت هذا الهيكل العظمي ? أحب النظر إليه لأنه يشبه الحقيقة مجردة و قبيحة ، تمنيت لو أنني اعترفت لنفسي أني لست في المكان الذي أردته ، دون أن أوهمها بغير ذلك ، أليس هذا خيراً من لا شيء ? أو أنني أرى الحل في شيء واحد و هو أن أموت .
أدركت أنني يجب ألا أسخر ، أحياناً يفكر الإنسان في الموت من أجل أمر ظاهره تافه ، لكنه قد يعني له كل ما في الوجود إذا ربط به قيمته و غايته..
لم أقاطعها ، واصلت بعد سكتة خفيفة : ليس الموت بمعناه الحرفي ، و لكني قررت أن أخنق حقيقتي حتى تموت ، و حينها سيتحول الكذب إلى حقيقة بديلة و مستساغة ، كأنني أصبحت ذاتاً أخرى ، و الخطوة الأولى في طريق التحول إلى إنسان جديد هو نسيان كل ما يذكرك بنفسك القديمة ، لهذا فأنا لن أزور المتحف مجدداً ، كي لا أتخيل أن هناك حلما قد أجهض داخلي ..
هذه البنت غريبة ، حديثها متداخل و مشفر ، تتكلم بالألغاز ، ساقت إلي حديثا يصعب فهمه كي لا تنفتح معي ذلك الانفتاح الكامل ، دون أن تحرم نفسها من راحة البوح ، لكني احترمتها و إن لم أفهمها بصدق ، ثم تركتها لوحدها مع ذاتها المضطربة ، لم أزل أزور المتحف ، و أراها هناك كل مرة ، لم تلتزم بوعدها لنفسها ، لقد فهمت منها أنها تريد الهرب من حقيقتها و لكنها تفشل كل مرة.


تعليقات
إرسال تعليق