الطفل الكبير
على خلاف المعتاد ، أشعر أنني أكبر لأزداد جهلاً ، تضيع مني الإجابات ، و تسرقني الأفكار الغريبة من حالة الطمأنينة فأضيع في زوبعة من الشك ، كأنني ولدت لأفقد معرفتي شيئاً فشيئاً بعد أن كانت كل الأجوبة واضحة في ذهني ، كنت أمتلك تصوراً واضحاً عن كل شيء ، و أجدني حين كبرت بدأت أتساءل لماذا و كيف ، و أشكك في جل المسلمات ، عدت طفلاً صغيراً لا يعرف عن الدنيا شيئاً ، و أراني أزداد طفولة كل يوم و يزداد الكون بالنسبة إلي سعة و غموضاً ، أستغرب أموراً لم أستغربها من قبل ، و أندهش بتفاصيل كانت لا تلفت انتباهي و أنا طفل . أليسو يقولون إن الأطفال أذكى المخلوقات ؟ هم من ينظرون إلى الكون كأنه مسرح للتجارب و الاستكشافات و يتعجبون من كل ما حولهم ؟ لم أكن أنا من ذلك الصنف إطلاقاً ، حين ولدت لم أشعر بالغرابة من نفسي أو من العالم الذي أحيا فيه ، لم يسبق أن تساءلت لماذا تسقط الأشياء على سطح الأرض ، و لماذا تسير الحياة بهذه الطريقة ، كنت أعرف من أنا و ماذا أريد أن أكون تماماً و ما هو الدور الذي سأنجزه في الحياة ، كأن هناك من وشوش لي و أنا في بطن أمي و أطلعني على كل الأجوبة التي أحتاجها ، و لكن حالة الطمأنينة هذه لم يقدر لها أن تستمر طويلاً ، فقد كبرت مع الوقت و نسيت بعض الأجوبة التي تعلمتها ، و كان النسيان يمتد إلى نفسي مثل موج بطيء ، و يأخذني الشك تجاه كل شيء ، الحق و الباطل ، الموت و الحياة ، و الهوية و المعنى منها ، امتلأ دماغي بالأسئلة ، و ازددت جهلاً كل يوم و كل لحظة ، شعرت بصدق أنني ولدت شيخاً هرماً يعرف كل شيء ، ثم تضاءل سني شيئاً فشيئاً ، و قد أعود يوماً إلى المهد صبياً ، و ما الغريب في ذلك ؟ فأنا أعيش حياتي بالمقلوب ...


تعليقات
إرسال تعليق