حلم
وطني الحبيب ، من شروق الشمس حتى المغيب ، على طول النيل الذي يجري مثل دماء تشق جسدك الشاب و تبث فيك الحياة ، رغم طغيان الطغاة و حقد الحاقدين ..
وطني ، من أول نور و أول نهار ، و أول قطرات مطر أغاثتني في ذلك اليوم الذي ولدت فيه ، على امتداد الخضرة و الزرع ، و ورود الرياحين ، و حلقات الأطفال المترابطة التي تلف مثل دوار الشمس ، و الصبيان الذين يركضون خلف أطر السيارات ، و الجدات الحنونات ، و رائحة القهوة السوداء ، و صوت البن و هو يكشكش أثناء قليه على الكانون . وطني من كل حبة تراب إلى غيم يغطي سماءك ، في زمن كانت فيه الأحلام تخط بالأصابع على التراب ، و كان الخيال يشكل الغيوم فيصنع منها كل صور الجمال ، ذاك الذي كنا بفطرتنا نؤمن به و نحن أطفال .
لقد كنت وطني من شروق الشمس حتى المغيب ، و ستبقى وطني بعد أن جاوز الوقت الغروب ، و حل الظلام ، و لم أعد أرى نهر النيل ، و ذبلت ورود الريحان ، و شاخ الأطفال ، حتى من لا يزالون في المهد صبياناً صغار ، و ماتت الجدات الطيبات ، و اختفت رائحة البن بعد أن غطت عليها رائحة الدم ، و لم تعد الأحلام تخط على التراب بل تدفن و تقبر ، و يصلى عليها ، و لم يعد الخيال يرى في غيم السماء أي جمال ، بل يشكله على خلقة الوحوش و الآلام التي تستعبده ، و أنا فارقتك و لم أعد إليك ، إلا في لمحات خاطفة مثل سهام البرق ، تمنيت لو كانت أوهام ، و ظللت أعيش داخل ذلك الإحساس ، و هو أنني لم أعد إليك ، و لا أريد أن أعود ، أريد أن أتخيل كذباً أن ظلامك ليس هو الحقيقة ، أريد أن أتصور أنك مازلت ذلك الوطن ، و أن الأطفال مازالوا أطفالاً لم يشيخوا ، و أن الجدات لم يمتن ، و أن الأحلام لم تدفن ، أريد أن أتصور أنك مازلت في ريعان الصبا ، لا أريد أن أعود فأراك تتكئ على العصا ، و أرى شعرك قد ابيض و نيلك العذب قد جففته الدموع المالحة ، إني لا أزال أعيش مع تلك الأحلام الكاذبة ، أليس الجنون موهبة في زمن لا تطاق حقيقته ؟ دعني أتصورك أيها السودان كما أريد ، دعني أتصور أنك لا تزال ذلك البستان.


تعليقات
إرسال تعليق