المشوهة
ليان .. ليان .. تقترب في براءة ، تجول عينيها بخوف ، و بدنها الهزيل يرتجف ، هيفاء تناديها ، تطلب منها أن تأتي للجلوس ، تتردد كثيراً حتى تكاد لا تبرح مكانها من الخوف ، عيناها تقعان على ذلك الشاب الجالس باسترخاء على الأريكة ، ماداً إحدى قدميه على الطاولة دون أن يعبأ بأمه التي تشاركه المجلس ، و ما كان يعبأ بأحد ، ذراعاه المفتولتان ممدتان على أعلى حافة الجلوس ، و شعره متطاير مهمل الترتيب ، لكنه يبدو ساحراً بصورة ملفتة ، توقفت ليان عنده لحظات ، شعرت بالرعب ، ربما خالطه إحساس آخر ، خجل ? لم يكن رعباً صافياً.. جدحها بنظرة قاسية و لكنها لا تحمل أي كراهية كما كانت في سابق عهدها ، بل توحي بالإهمال و الاحتقار فقط . أم رامي تناديها .. ما بك تقفين هكذا ? تعالي و اجلسي يا حبيبتي ..
لا تجيب ، ليس باختيارها ، الخوف الذي دب في عروقها أنساها النطق ، و تدخل رامي بنبرته الساخرة التي لم تزل مرادفة للاستبداد و الشراسة منذ عرفتها ، بصوت رجولي : إنها لا تكلم الجدار بل تكلمك أنت أيتها النعجة ، هل أصبحت بكماء ?!
رامي ! إلى متى سيظل يحتقرها و يعاملها بهذا الأسلوب الجارح ، أمه توبخه ، و ما الفائدة ? ارتعدت بخوف ، و بسرعة اندفعت لتأخذ مكانها على الأرض .. دون أن تجرؤ على الجلوس في الأعلى.. خاطبتها هيفاء بإشفاق ، كأن حركاتها ليست غريبة عليهم : ليان .. انهضي يا حبيبتي و اجلسي على الكنبة ، لا تخافي من أحد ..
نعم كانت خائفة ، تخشى أن ينظر إليها رامي بحدة و يرميها بعباراته المستبدة ، كما حدث و هي طفلة ، لم تكن تفكر بوعي ، لكن الآلام تراكمت داخل نفسها ،
كانت طفلة ، و كان لا يكبرها بكثير ، صبي شرير ، اعتقدوا أن شراسته ستخفت لكن ما إن وصل إلى سن الرجولة حتى تفتحت معالمها أكثر ، اقتربت منه و جلست إلى جواره ، فرمقها بحدة صارخة ، لم يتكلم ، لم يرفع يده ، لكنها تلقائيا هبطت على الأرض ، لا تدري كيف أتيح لها أن تفهمه في ذلك السن الصغير ..
الاستبداد يشبه طاقة مظلمة تحس دون حوجة للتعبير الصريح في كثير من الأحيان .. المسكينة عاشت أياماً مسودة ، مؤلمة مثل أغلال ساخنة ..
و حين جلست على الأرض ، نظر إليها رامي النظرة ذاتها التي اعتادتها منه ، و لم تذهب العادة ما بها من هيبة و وحشية ، و لكنه أتبعها بنبرة مخيفة دون إن يرفع صوته : يا حسناء.. عندما تكلمك أمي فأنت تنصاعين فوراً ، مفهوم ??!
همست بنبرة حزينة مثقلة بالخوف ، و دون وعي حقيقي : حاضر .. أرجوك .. لا تضربني !
ما أقبح الاستبداد ، و الأقبح منه المذلة و الضعف!
نهضت بسرعة و جلست إلى جوار هيفاء ، كانت الأخيرة تطالعهما بتعجب ، مشفقة على ليان ، البنت اليتيمة ، حفيدة فاطمة التي كانت تعمل خادمة في القصر ، ماتت المرأة العجوز ، فقررت هيفاء أن تتبنى هذه البنت و تربيها مع أبنائها ، و ليتها ما فعلت ، أدركت متأخرة أنها دمرت لها حياتها . نظرت ساخطة إلى رامي ، و كلمته بنبرة حادة متألمة : أيها الولد ! إلى أي حد قلبك متحجر ? أنت حيوان و لست إنساناً!!
أماه ، لو تعلمين أنك المخلوق الوحيد الذي بإمكانه أن يتجاوز هذه الخطوط الحمراء ، قال بهدوء دون أن يستثيره كلامها: سامحك الله يا أمي ..
و هل أنت تعرف الله ? صرخت فيه هيفاء : يا بني .. لماذا تفعل ذلك ? لماذا تجعلني أندم كل مرة و أحس بالذنب تجاه ليان المسكينة?!
رد بضحكة خفيفة متهكماً : تشعرين بالذنب لأنك لم تتركيها تشحذ في الشارع لتدبر قوت يومها?
طفلة صغيرة ، مربوطة إلى جذع شجرة ، لا تشعر بشيء سوى قنابل الماء التي تصطدم ببدنها و تصيبها بقشعريرة و هلع ، الطقس كان بارداً ، إحدى شتاءات ديسمبر ، و هناك غير بعيد عنها يقف بشخصه المرادف للشيطان ، لم يكن سوى ولد ، بل كان وحشاً يختفي خلف هيئة طفولية جميلة ، نعم كان جميلاً ، و قد ازدادت وسامته بالتوازي مع شيطنته ، تشفع لها و تهدئ من روعها ، و تجعله غير مكروه إلى حد كبير ، كأنه سحر يعمي الناظر بخدعه البصرية عن حقيقته القاتمة.
لم تكن ليان تتذكر ، ما التذكر إلا سلوك واع ، و هي في تلك الأثناء لا تعي من نفسها إلا القليل ، إنما تتألم و تعيش الذكريات كأنها واقع لا كما ينبغي لها أن تمر على الذهن خاطرة و تختفي ، كانت تعيش داخل الذكريات ..
قام رامي ، مل من توبيخ أمه و شعر بالاختناق ، تمدد متنهداً ، ثم غادر المجلس ، تاركاً هيفاء و لم تزل غاضبة منه بسبب أسلوبه ، ليس جديدا هذا الرامي ، هل تظل تحترق طول عمرها لأن ابنها هكذا ? ليان راقبت رامي و هو يغادر ، أحست بالطمأنينة ، لا .. هناك شيء آخر ، كأنها تريده أن يبقى ، جزء منها ليس سعيدًا بمغادرته ، أين ذهب ? كل ما فكرت فيه هو أنه قد يختفي مجدداً ، و ربما لن يعود ، لن تستطيع رؤيته ، ألم يختفي لمدة طويلة و ما عادت تشعر بأنفاسه من حولها ? كانت تطرق على بابه كل يوم و لا يجيب ، لم تكن واعية لأي شيء ، لم تعرف أنه ذهب إلى الجامعة ، و هي تظن أنه اختفى الآن أيضاً ، التفتت إلى هيفاء و تأتأت بصعوبة و الغصة في حلقها: ماما .. أين .. رامي ?
لم تجبها ، تنهدت بهم ثقيل ، و هي تثبت رأسها بيدها ، قامت ليان و هي مذعورة ، خائفة من أن يختفي رامي مجدداً ، لحقت به و طرقت باب غرفته بكل ما أتيح لها من قوة ، و لم تكن طرقاتها شديدة رغم ذلك ، كانت خفيفة مثل همسات الرياح ، هل سيختفي رامي مجدداً? رامي .. أين أنت ?
و بعد دقيقتين ، يفتح الباب ، يظهر أمامها واقفا بجسده الضخم ، و عيناه تشخصان بحيرة ، سألها بضيق : هااا!?
ابتسمت بارتياح ، إنه لم يختفي ..
ماذا عندك ? تكلمي
تجيبه في خوف و براءة : أنا .. خشيت.. أن .. يختفي .. رامي
رفع حاجبيه بحيرة ، لكنه ليس غبياً كي لا يدرك أنها مريضة و تتفوه بالسخافات ، يغلق الباب في وجهها دون كلمة ، تظل واقفة دون أدنى حركة ، تنهيدة ناعمة ، إحساس غريب بالارتياح ، يخالطه ألم حاد ، يجتمعان في صدرها مثل نغمة غير متناسقة. هل هي تتلذذ بالألم ? ربما أحبته لأنه يؤلمها ، أم أنها أحبت الألم لأنه منه ? ليست هذه هي الخواطر التي ساورتها ، ليان فتاة مهشمة ، مجرد بقايا جروح و طعنات ، لم تكن تفكر في شيء ، إنه وعيها النائم المنفصل عنها ، مجرد تصور لوعيها لو كان حياً.
((ليان ! أنا خارج ، عندما أعود سأجدك قد أنجزت واجباتي و إلا احتجزتك في القبو مع الوحوش !
تتعلق بقميصه مذعورة و هي تقول بصوت لم يزل حياً في ذلك الوقت : لا يا رامي .. أرجوك لا تفعل !!))
بعد أن أغلق الباب في وجهها ، خلع قميصه ثم ارتمى متمدداً في فراشه ، و لم تبرح تفكيره ، ليان ، طيف لا يغادره في نوم أو يقظة ، إن لم يرها أمامه فهو يتصورها ، فاتنة ، تشبه دمية أو قطعة حلوى ، نقية مثل ملاك نازل من السماء ، لكنها فتاة تعشق المذلة ، و هو منذ طفولته كان يعي ذلك ، تنفر منه إن عاملها بلطف ، و تزحف تحت قدميه عندما يذلها ، أيحبها ? لا يعلم ، ربما كان يفعل ذلك في وقت ما ، ثم توقف عن حبها و أدمن عذابها، لقد كان يفعل كل شيء كي لا تبتعد عنه ، لكنه أصبح يتلذذ بإيذائها فعلاً ، قلبه تفرغ من كل العواطف ، كان تائها ً و مشتتاً بين حب حقيقي و كراهية مزيفة ، حتى نسي أيهما الحقيقة و لم يعد يستشعر شيئًا سوى أنه فقد نفسه وسط كل ذلك ، ربما ، لو أنه يثق بأن ليان تحمل له ذرة حب واحدة لما اضطر لتمثيل هذا الدور معها ، و قد فات الأوان الآن و أصبح حقيقته البشعة.
" هذا غير محتمل ، إني قلقة على ليان ، رامي يقسو عليها كثيراً ، هذا الشاب الشرس خارج عن السيطرة " همهمت بصوت مسموع ، و إلى جوارها امرأة عجوز ، تحوك وشاحاً من الصوف و لا تجيبها بحرف واحد ، واصلت هيفاء كأنها تكلم نفسها :" يا ليته كان بوسعي أن أوقفه عند حده " ، المرأة العجوز لم تزل صامتة ، حتى أن هيفاء أحست ببعض الانزعاج ، فخاطبتها بلكنة عتاب :" يا أم زيد ، قولي شيئاً !" ، ترفع رأسها قليلاً ، كأنها انتبهت من غفوة ، الحديث مع أم زيد يتطلب شيئاً من الصبر ، ردت أخيراً ببطء تمد الكلام مداً :" إنه كان بوسعك إرسالها إلى دار الأيتام ، منذ سنين طويلة ، لكنك لم تفعلي ، تتشكين فقط ، و لا شيء آخر " ، أسلوبها مباشر جداً عندما تتكلم ، تكاشفك بكل ما يخطر ببالها دون أي مجاملة ، رمقتها هيفاء بحدة و قالت :" يا أم زيد ، كانت نيتي حسنة ، أردت أن أربيها كابنة "
" و لم تكن كابنتك أبداً ، إني أشعر بك تكتمين سعادتك الغامرة و أنت ترين ابنك يسود على هذه الفتاة ، تمنعين وجهك من الذوبان في ابتسامة متلذذة بالمرارة ، فتطلقين الصرخات و الشتائم ، ماذا تبغين من هذه اليتيمة يا أم رامي ؟" إن هذه العجوز تسمح لنفسها بالكثير ، فكرت هيفاء ، لكنها لم تصرخ أو تنفعل ، فقد اعتادت منها على مثل هذه المكاشفات ، ليست أول مرة تخوضان فيها حديثاً من هذا النوع خلال الخمسة عشر عاماً الماضية ، لم تفكر جدياً في طردها بسبب وقاحتها ، لنفس السبب الذي يجعلها غريبة لتتمتع بمشاهد الإذلال و الاستبداد دون أن تفعل أي شيء ، لماذا تنادي ليان دائماً عندما يكون رامي موجوداً ؟ إن قطعة ضئيلة من نفسها تحس بالوضاعة ، و بقية القطع عائمة في ثقب أسود ، لا تدرك لها مكاناً و لا تصنيفاً ، ليست هذه امرأة ، بل مجرد خلطة مقرفة مشوهة المعالم .
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى



تعليقات
إرسال تعليق