كبرياء فتنة
انقرضت البشرية إلا اثنين وجدا نفسيهما خارج ساحة الموت، و كانا رجلاً و امرأة، أو شاباً و فتاة، وحيدان، جميلان كلاهما، و عذبان كأنهما اللبن و العسل، الفتاة تفوقه جمالاً، و هو يفوقها قوة، فسمتها الطيور و القطط و الأشجار فتنة، و سمت الشاب سيف. وجدا أنهما مقابلان لبعضهما في خلوة حكم الله عليهما بها، و كان أمامهما عمل شاق من أجل تعمير الأرض، بدءاً بالعناق إلى الحفر و الحرث و إطعام الصغار، لكنهما لم يتعانقا، و ما بدا أنه لم يكن أحدهما راغباً في الآخر، قال لها بجفاء: لابد مما ليس منه بد، لنقم بذلك فقط ليتسنى لنا إعادة الوجود!
طالعته بجمود، أحست أنه يطعنها بسكين حادة، و كانت على عكسه تريده بكل خلية من جسدها، لكنها استشاطت غضباً و أجابته: كلا و الله لن نفعل، لا شأن لنا بالبشرية، لن أعطيك جسدي و لو كنت.. قطعت عبارتها فقد أصبح بالفعل آخر رجل على وجه الأرض.
زفر أنفاساً مضطربة، و همس: دعيك من هذا الكبرياء، إنه الذي لعن بسببه إبليس، و اتركي العناد الذي هبط بجدينا إلى الأرض، قد لا أريدك و لا تريدينني، لكنا يجب أن نضغط على أنفسنا، و ليتخيل كل منا أنه مع الإنسان الذي يحبه، و لنغمض أعيننا حتى يتسنى لأمشاجنا أن تلتقي بسلام، و تكمل هي ما تبقى من العبء الثقيل.
صاحت و هي تجتر دموعها بصعوبة: كلا و ألف كلا، إننا لن نعيش حتى كأخوين، و ليذهب كل منا إلى حال سبيله.
و مضت بعيداً عنه، لكنه ظل يراقبها، يعض شفتيه ندماً على صراحته، و يدرك أنه ارتكب حماقة، و أن عليه أن يكذب عليها كي لا يحكم على جنسه بالانقراض، لكن سيف لم يكن يجيد الكذب، و فتنة لا تنطلي عليها القصص، عاش كل منهما بعيداً عن الآخر، و ظل سيف يراقبها كما يراقب الذئب الفريسة، يرى أن الحل الوحيد في أخذها بالقوة، لكن قلبه لا يطاوعه، و ظل متردداً، يتبعها من بعيد، و يدنو منها حين تنام، فيشرد في ملامحها متحيناً اللحظة التي لا تأتي، حتى لم يعد يراقبها بعينيه بل بكل خلية من جسده، و اهتز قلبه، و تحركت مشاعره كأوتار الكمان، و بدأت تغني له ألحان الغرام، و راح يلاحقها جهاراً و يطلب منها الزواج، و كانت لا تزال تعشقه، و أدركت من عينيه أن شعلته تجاهها قد ولدت، ففرحت، لكنها لم تنس كلماته التي جرحتها في صميمها، و احتارت في أمرها، فدنا منها إبليس، و همس لها بخبث: لا تسلميه نفسك، لتنقرض البشرية و يحترق الحب في سبيل الكبرياء، خطيئتي أني اخترت معزتي على السجود لكائن من طين، فلعنتُ أبد الدهر من أجل لحظة رفض، لكني ربحت نفسي.
طالعته باشمئزاز و أجابت: خطيئتك هي التي رمت بك إلى قعر جهنم، و الكبرياء يرفع صاحبه إلى قمم السماوات، إن ما وقعت فيه كان الغرور.
لكن فتنة رفضت سيف، و ظلت على رفضها حتى ماتت، و انقضى بموتها للبشرية آخر أمل في الوجود.



تعليقات
إرسال تعليق