ديباجات و أقنعة
إننا لا نطمع في عالم مثالي يفيض بالحق و العدل المطلق ، فليست تلك سوى تصورات طوبائية لا أساس لها في الواقع ، لكن أملنا هو عالم تكشف فيه الحقائق عارية على أقرب هيئة صريحة لها ، و تسمى فيه الأمور بأسمائها الحقيقية ، تختفي الأقنعة و الستائر و يبدو الشر فيه بوضوح متحملاً كل وزره ، و ربما تكون تلك أيضاً مجرد أحلام ، لكن علينا أن نسعى إلى تحقيق أقرب صورة لهذا المثال ، و ذلك لن يتطلب سوى نفوس جريئة و عقول شكاكة ، ترفض من الأمور مجرد ظواهرها و تبحث في الأعماق حتى تصل إلى أقرب حقيقة ، و متى استطعنا أن نفضح الشر فإن واجبنا ألا نصمت ، فالصمت هو إحدى الستائر التي يعشعش خلفها بقذارته.
السودان و فلسطين ، بلدان بأعلام متشابهة ، و كل منهما يحمل في صفحة وجهه مرآة يرى منها الآخر ، ذلك أن الحروب مهما اختلفت في تاريخها و ولادتها فإنها تبقى من جنس واحد ، و الأفراد الذين ينتمون إلى الجنس نفسه يمكن التعبير مجازاً بأن لسانهم واحد ، و لغة الحروب لا تتغير ، الطفولة تُنطق كالخوف و الحرمان من الغذاء و التعليم و التفكير في البقاء أكثر من اللعب و اللهو ، الشباب هو خيبة الأمل في مستقبل كان يُنتظر على غير شاكلته ، و الشيخوخة هي نهاية حزينة و أمنية بائسة للعودة إلى الماضي ، و تظل الحروب تتكلم بمعانيها القاسية و تغني بمدافعها ، تضرب فوق رؤوس من ليس لديهم أدنى ذنب في إشعالها ، تشبه الأبناء الذين يولدون ثم يلقون على كواهل غير آبائهم ليتحملوا بطشهم و تمردهم . قد يكون ما من بد من الحروب ، و لكن لو كانت - مثل تصور أحد الأدباء - مصارعة بين رؤساء الدول تقام في ساحة و تشهدها الشعوب دون تدخل ، لكان ذلك أقرب إلى العدل و حقن الدماء ، و يظل مجرد خيال أن أتصور البرهان و حميدتي يتصارعان على هذه الشاكلة.
إن فلسطين هي أرض تسلب من أهلها تحت وطأة احتلال قذر مصبوغ بصبغة الدين ، كما يموت السودانييون تحت مزاعم الحرية و العدل الذي يبغى كل طرف تحقيقه ، و كما كان السودان يموت لثلاثين عاماً تحت وطأة حكومة تدعي أنها إسلامية ، إن الشر لا يظهر عارياً بقبحه بل يخبئ نفسه تحت أسماء مستعارة . و تدعي إسرائيل الاستعمارية أنها دولة يهودية ، و يمكن اعتبار هذا الزعم هو كلمة السر التي تفتح أمامها كل الأبواب لممارسة الاحتلال و القتل و التشريد تحت ديباجة دينية وهمية. و هذا التصور العالق في أذهان الكثيرين هو ما يبرر في نظرهم قيام الدولة اليهودية ، و أؤكد قبل كل شيء أن ما سأقدمه من معلومات يعتمد في الأساس على كتاب " الصهيونية و خيوط العنكبوت " بقلم الدكتور عبد الوهاب المسيري ، مضافاً إليه بعض القراءات للواقع الحالي ، وعلى الرغم من أن كتاباً واحداً لا يكفي لتقديم تصور شامل و موضوعي عن أي قضية ، لكني أعرضها - أي الأفكار - لا بوصفها حقيقة مطلقة بل نظرة جريئة تستحق التأمل و الأخذ بالاعتبار.
إن إسرائيل دولة أقامها مفكرون يهود ، لكن يهوديتهم إثنية ، و قد كانوا في حقيقتهم ملحدين ، و أكبر مؤسس للصهيونية " هرتزل " لم يكن في واقع الأمر سوى ملحد ، و اليهودية تنفرد عن باقي الأديان بأنها يمكن أن تضم يهوداً ملحدين !! و دافع ذكر هذا الأمر هو تبيين أن الهدف الأساسي وراء إنشاء إسرائيل ليس دينياً يتعلق بالأساطير اليهودية ، فلم تكن تلك الأساطير سوى مجرد فلكور ثقافي و مبرر لوجودها ، و عند تقويض هذا الزعم لا يتبقى سوى الأهداف الاستعمارية الإحلالية . و يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري - مع تقديم أدلة من الواقع و التاريخ تؤيد استنتاجه - أن إسرائيل دولة وظيفية - أي أنها قائمة لتؤدي وظيفة من أجل كيان آخر - تأسست لاستيعاب الفائض البشري في أوروبا من خلال تخليصها من اليهود ، و زرعت كجيب استيطاني يحمي مصالح الغرب في الشرق الأوسط ، و خير دليل من الواقع هو رعاية أمريكا المتفانية لإسرائيل و حمايتها التي لا يمكن أن تكون في سبيل الله و الخير ، و لا أحد يستطيع إنكار العلاقة الوثيقة التي تربط بين إسرائيل و أمريكا ، رغم أن هناك رؤى جديدة من داخل أمريكا تزعم أن إسرائيل تتحكم في أمريكا و توجهها ، و لكن لو حدث ذلك فهو لا ينفي ارتباط المصالح بين البلدين لدرجة تسمح لأحدهما في التحكم بالآخر و تحريكه.
إن لم تكن إسرائيل دولة يهودية كما تزعم ، فهي علمانية و داروينية في حقيقتها ، تسعى لفرض سلطتها على الإنسان الأضعف و سلب حقوقه ، و لا يوجد مبدأ سوى الداروينية و حكم القوي يمكن أن يقف وراء هذه الجرائم ، و لكن من الخير أن يكون الصهاينة يهوداً يطبقون أحكام كتابهم المقدس من أن ينظر إليهم كمجرد غزاة و لصوص ، و لو شاهد المرء المجتمع الصهيوني من الداخل ، و الذي صوره عبد الوهاب المسيري في كتابه على أنه مجتمع علماني ينتشر فيه الإلحاد و الشذوذ ، يضم طوائف من المهاجرين الذين لا تجمعهم " عقيدة الشعب الواحد " ، كثير منهم قد ادعى اليهودية ليحصل على المميزات الاقتصادية التي تغري بها إسرائيل "يهودها" المزعومين ليتركوا أوطانهم و يهاجروا إليها ، و لو رأى الانتهاك الصارخ في سياسة إسرائيل لأحكام اليهودية لصالح العلمانيين ، مثل إباحتها للمثلية و تشويه بعض التعاليم الواردة في الكتاب المقدس ، لأدرك أنها دولة لا تهتم بالدين و لم تتأسس من أجله ، بل وجدت و قامت لأهداف استعمارية.
أما بشأن الديانة اليهودية و رأيها في كل ذلك ، فإنها لم تتخذ شكلاً واضحاً ، لأن اليهود طوائف متعددة ، و لم يتفقوا على عقيدة تبيح لهم الاستيطان في فلسطين ، بل إن اليهودية الحاخامية ترى أن الاستيطان و العودة من المنفى ينبغي أن يتم بأمر إلهي فقط ، و تعجل العودة دون إذن من الرب هو ذنب عظيم ! و رغم الخلل و الضعف في التأييد الديني ، تظل إسرائيل في حوجة ماسة لهذه الديباجة ، لأن هذا اللون من الاستعمار الذي يقوم على الاستيلاء على أرض و إبادة سكانها لإحلال سكان جدد هو من أقبح أشكال الاستعمار و أكثرها وقاحة ، و أرجو أن يفتح العالم عينيه و لا ينخدع بهذا القناع الزائف ، إن ما نشهده هو إبادة و استعمار استيطاني بكل معانيه البشعة ، و ينبغي علينا أن نحارب ، ليس اليهود ، بل الاحتلال ببشاعته و لفظه لكل الأسس التي يقوم عليها العدل و الحق.
بعد أن خلعت قبعة الدكتور عبد الوهاب المسيري ، أريد أن أطرح تساؤلاً خارج هذه الرؤية ، لو كانت إسرائيل بالفعل مؤسسة دينية ، فهل يمكن اعتبار الدين مبرراً كافياً للجرائم التي ترتكب بحق الإنسانية ؟ بل هل يمكن أن يصدق أحد بأن الله قد ينزل ديناً يؤيد به إبادة شعب من البشر لإحلال شعب آخر !؟ و إلى أي حد يمكن أن يعتبر من العدل أن يتحمل إنسان تبعات ديانة أو فكر لا يؤمن به ؟!


تعليقات
إرسال تعليق