أم الشهيد
أدركت أنها لا تتنفس الهواء فقط ، بل إن معظم النفس الذي يملأ صدرها هو رائحته ، رائحة وجوده بقربها و استشعارها للأمان الذي يشع كالهالة المحيطة به ، أمان تحسه حين تراه نائماً أو مفيقاً ، حين تسمع ضحكته أو صراخه و هو يلعب البلاي ستيشن ، و حين تراه يأكل فتشعر أن الطعام دخل في جوفها و سرى في كل خلية من خلاياها كما يسري حبه ، أدركت أن حب ابنها ليس مجرد حب بل هو نفس ، و ذاك حين شعرت بالكتمة و الاختناق في صدرها كأن الهواء قد نفد لمجرد تفكيرها في أن هذا الابن قد يرحل عنها ، و قد يأخذه الموت . كانت قد بدأت تستشعر بإحساس أمومتها تغير ابنها و انكفاءه على نفسه لساعات أطول مما اعتاده ، تسأله فيجيبها أنه مرهق من التفكير في أوضاع البلد ، و تخشى من إجابته ، و تخشى أن يقوده التفكير إلى فعل ما ، لكنها تحاول تكذيب إحساسها ، لعل الولد يفكر في الحب و يستحي أن يصدق معها ، حب وطن أم حب فتاة ؟! كل شيء يتمثل لها بهيئة وحشية تهددها بخسارته ، و كل فكرة تقودها للخوف. و حين أتى ذلك اليوم ، زارتها رهف بنت الجيران ، بأعين دامعة تحاول ابتلاع دموعها ، و أنفاس متسارعة تحاول إبطاءها ، و قلب صاعد تحاول احتجازه بقفصها الصدري و منعه من الطيران ، و كانت تعرف رهف و تعرف أنها واقعة في حب ابنها حسام ، و حين رأتها بتلك الهيئة استشعرت مصيبة ، و تأكد لها حين تكلمت :" يا خالة ، إن حسام يخطط للتطوع في القوات المسلحة ، سمعته بالصدفة يحدث أخي ، أرجوك حاولي منعه من ذلك كي لا يلقى حتفه " ، أنهت رهف كلماتها كأنها غرست منجلاً و سحبت به روح أسماء ، و ما ملكت الأم سوى أن تسقط أرضاً إثر الفزع ، و هنا كانت لحظة الإدراك ، أدركت ماذا يعني لها حسام. تلك الصاعقة التي ضربتها كانت على وشك أن تدفع بها نحو ذلك الابن المجنون كي تطفئ جمرة شيطانه بيدها و لو احترقت ، لكنها لجمت أحاسيسها و صبرت صبراً عظيماً ، إن ابنها لن ينصاع لبكائها و رجائها ، عليها أن تتجنب لغة الأمومة التي لا يعيها هذا الصنف القاسي من الأبناء ، الذي يتغلب حب الوطن داخله على حب أي امرأة حتى أمه . و انطلقت نحو حجرة ابنها و هي تحاول السيطرة على حركة صدرها الميكانيكية كأنها تزيف الهواء ، كان جالساً نصف مستلق على السرير و عيناه تثقبان السقف ، حيته فرد عليها بهدوء ، استجمعت تركيزها و قواها لتقول :" بلغني أنك ترغب في الالتحاق بالجيش " فوجئ من سؤالها المباغت و عدل جلسته و قد اتسعت عيناه ، ثم قال فوراً بكذبة لم يسعفه سواها :" من قال ذلك يا أماه ؟ هذا مجرد كذب و لعله سوء فهم " لكنها تقرؤه كما تقرأ الأحرف على الصفحات ، قالت مواصلة دون أن تبالي بإنكاره : " أنصت يا حبيبي ، إنني لن أجبرك على البقاء بصفتي أمك ، انس أنني أمك و اعتبرني صوت المنطق الذي يلجم نواياك و يهذبها " قال حسام بضحكة شبابية مراوغة :" صدقيني يا أمي ما من شيء كهذا سيحدث ! لقد سمعت إشاعة خاطئة !" أشارت إليه بيدها ليصمت ثم قالت بلهجة محامية بارعة - تجمع خبرة تعلمتها في كلية الحقوق لتجري أهم مرافعة في حياتها - : " حسام ، إنك تفكر في تقديم حياتك ثمناً لتحقيق هدف نبيل يعود بالخير إلى الوطن ، و هذه فكرة غاية في الروعة لو تحققت على هذا المنوال " أصيب بدهشة أكبر من تأييد أمه المفاجئ ، لكنها واصلت : " و لكن ما الهدف النبيل الذي تريد تحقيقه و كيف ستحققه بموتك ؟ و ما الوطن الذي تريد أن تموت من أجله و كيف سيفيده موتك ؟ تصور أنك ستلتحق بالجيش و تضحي بكل شيء لا من أجل وطن بل من أجل جماعة من السياسيين الذين يستخدمونك و غيرك وقوداً لطموحاتهم ، و سلماً لأحلامهم في اعتلاء عرش الحكم ، ليس ذلك الجيش بجيش الوطن بل جيش فئة من السياسيين ، الذين يضعون الوطن نفسه داخل المحرقة ليضيئوا أحلامهم ، و أنت و سواك لا تموتون إلا في سبيل ذلك ، فهل يرضيك أن تقدم حياتك و قلب أمك تفدي بها طموحات عجائز تتدلى كروشهم كالقطط السمينة ؟ أنذرت حياتك من أجل هؤلاء يا عزيزي ؟ " صامتاً ظل حسام و لم يقاطع أمه ، و تركها تكمل :" قل لي ؟ أتحسب نفسك فلسطينياً ؟ إنك لا تموت من أجل قضية ، و موت السوداني لا يحتاج إلى قضية تبرره ، إنه موت سهل اقترافه أسهل من موت الشياه ، سهل إهماله كأنه القط المشرد عند حاوية القمامة ، إن الفلسطيني يموت لتحيا أرضه ، لكنك تموت و لا يحيا السودان بموتك بل يموت جزء منه ، و كل أولئك الذين يتساقطون و تسيل دماؤهم على أحلامهم على كل زرعة كانوا ليغرسوها لو عاشوا ، كلهم حين يموتون يأخذون معهم جزءاً من السودان ، لأن أرض السودان أمٌ يا بني ، يموت جزء منها مع موت كل ابن من أبنائها ظلماً ، كأنها تتنفس أبناءها و تعيش على حس خطاهم ، دونهم لن تكون أماً و لن تكون وطناً إلا للعدم ، أترضى ذلك لوطن أنجبك و رباك رغم قسوة الحياة ؟ أترضى أن يختنق بموتك يا حبيب قلبي ؟!!
و لم تقاوم أكثر ، انهارت في حضن ابنها ، ضمته إلى صدرها بقوة و غرست رأسها في صدره العريض لتتنفس رائحته و هي تبكي ، و ظل هو صامتاً يبادلها الحضن دون كلمة ، إنه لا يستطيع مجاراة أمه في فنها أو حبها . و أسماء لم تنم ، باتت ساهرة طوال الليل تخشى من أن مرافعتها لم تثمر شيئاً و لم تسحق عناد ابنها ، و نهضت فجأة في ساعة عند اقتراب الفجر بعد أن أحست بكتمة في النفس ، دخلت إلى غرفة حسام و لم تجده ، و لكنها وجدت ورقة على سريره كتب فيها :" أمي الحبيبة ، سامحيني ، إنني فقط زاهد في حياتي و لم أعد أريدها " و شعرت أسماء أنها لا تستطيع التنفس ، و لم يعد بمقدورها مواصلة العيش.


تعليقات
إرسال تعليق