سر القط

     يسير في ظلمة الليل، لا يدري إلى أين، يترنح، لكنه يتماسك، يسعل، ثم يعبث بفرائه حيناً آخر، التعب قضى وطره منه. يمشي رغم ذلك و هو في أعماقه يقصد اللامكان، و لولا غريزة الحياة لبقي على الأرض و أسلم جثته للكلاب و الوحوش، مثل ذلك الوحش الذي نجا منه بأعجوبة، و لو آمن بالجحيم لما هابه أكثر منه، التقطه في ليلة شابهت هذه الليلة ظلاماً و نحساً، ليجد نفسه في عالم مختلف، سماؤه ضيقة معدومة الزرقة، مليء بالحواجز، طرقه غريبة و زلقة، لا يغطيها التراب الذي ألفه، و إنما شيء آخر لا يستطيع تحديده، يجمع بين برودة الماء و قسوة الحجر. و نظر إلى صاحبه الآدمي فرآه جميلاً، ضئيلاً مقارنة بأشباهه، لكنه لم يرتح إليه، كما لا يرتاح للماء البارد، و قد أغرقه فيه مراراً و تكراراً، و هو يصيح ألماً و خوفاً، لكن صرخاته لا تقابلها سوى ضحكات جوفاء من الوجه الجميل، عابثة تحمل قسوة سطحية جذورها جهل و لا مبالاة، من كائن يحسب نفسه صدر الكون.

    و كان يفر منه، يهرب من دنياه الضيقة إلى دنيا الله الواسعة، تلك التي أوحشته سماؤها و ترابها و أشجارها الفارعة، لكنه ما يلبث أن يقبض عليه في لحظة و مكان غير متوقعين فيعيده إلى الجحيم، و هناك يرى من يشاركه هذا العذاب، طيوراً محتجزة خلف قضبان قاسية، تنادي و تشكو و ما من مجيب، قد يحدثه بعضها أحياناً فلا يفقه منها شيئاً،  يعزيها بخرخرة ضعيفة و يرحل من أمامها و هو يحس بها تشاركه الألم، و رأى من بينها حمامة بائسة، لو علمت ما ينتظرها لاختارت الفناء على الوجود، إذ أمسك بها الكائن الجميل و نتف ريشها ثم أرداها قتيلة مجندلة في التراب، و ذعر من هذا المرأى، و هرب، لكنه لم يجري إلى الشارع فيقبض عليه صاحبه كما جرت العادة، بل سلك درباً آخر، و شعر بنفسه يلج إلى عالم جديد، كان بالمثل ضيق السماء معدوم التراب، تملؤه تلك الكائنات الآدمية، و لكن يكفي أن صاحبه لم يكن من بينها، و قبل أن يمعن في اكتشافه التقطته أذرع رفيعة و مسحت على فرائه برفق لم يعرفه من قبل، إلا لمسات أمه التي فارقته إلى الموت، فتسلل إحساس دافئ بين أضلعه، خلاف رداءة إحساسه و هو ينغمس في الماء البارد، و لما رفع رأسه رآها، مخلوقة آدمية، لونها يشبه الحصى الناعم الذي خالطه المطر، و شعرها كالسماء وقت الليل، تحدثت إليه فلم يعي كلامها، وضعت له طعاماً في إناء صغير، فأكل حتى شبع، ثم أغمض جفونه و استسلم لراحة عميقة لم تساوره من قبل. و إذ به يفيق على ملمس خشن كان مألوفاً له، و حين يفتح عينيه يصيب بأنظاره صاحبه الذي يلتقطه بعنف كأنه يقصد انتزاعه من حلم جميل، و يطالع المخلوقة بتوسل لعلها تنقذه منه، لكنها تطرق رأسها بانعدام حيلة، و يعود إلى عذابه القديم، لكنه يهرب إليها كل مرة ثم يرجع صاحبه كملك الموت ليلتقطه و يعيده، حتى فاض به فهرب بعيداً، و كان مرهقاً خائر القوى، فلم يجد راحة في عالمه الأول، و يبدو أن صاحبه يئس منه و لم يعد يدور عليه، فهام في الشوارع حتى نال منه الإعياء، و لاحت بذاكرته اللحظات الحلوة التي مرت سريعاً برفقة تلك المخلوقة الجميلة، فاتخذ القرار بالرجوع إليها لهفة و اشتياقاً بعد أن بدا له أن صاحبه قد نسي أمره، رجع إلى صديقته متعباً، يسعل باستمرار كأنه يقذف مرارة البؤس من جوفه، و على جسده إصابات، أكثرها وضوحاً تلك التي جوار عينه اليمنى، نحيلاً كأنه جلد على عظم، لما رآها شعر بالحياة ترد إليه، لكنه لمح في عينيها ظلاماً غريباً لم يسكنهما من قبل، و أشاحت بوجهها دون أن تمسد على فرائه، فأحس وقتها أن صديقته أقسى عليه من صاحبه الذي كان يغمسه في الماء البارد. و لما حل الطعام اجتمعت مع أشباهها ليأكلوا، اقترب من أقدامهم بلهفة، فوجدها تتوقف عن الأكل و تشير إليه و تتكلم، ليحمله أحدهم و يحتجزه في غرفة ضيقة، ثم لا يحررونه حتى ينهوا طعامهم، و تكرر هذا الأمر الذي لم يفهمه؛ إذ عجز عقله البسيط عن إدراك حاسة الاشمئزاز منه، و ظل كالعاشق الذي ينتظر التفاتة من معشوقته، لكنها لم تعد إليه، و بات يجد نفسه مطروداً في كل حين، لكنه يعاود محاولاته البائسة، مصراً في أعماقه على ولوج جنته القديمة التي دخلها أول مرة، و اشتد به الإعياء مع الأيام، و تمكن منه اليأس، فرحل إلى الشوارع هائماً، ثم أسلم الروح بجانب أحد براميل النفايات.


تعليقات

المشاركات الشائعة