حق التعاسة

   من حق المرء أن يشعر بالتعاسة، أن يبكي و أن تراوده فكرة الاختفاء من هذا العالم أو التحول إلى قطة، إنه يستطيع الإحساس بكل ذلك حتى لو لم يكن لاجئاً أو نازحاً من سكان المخيمات، و لم يفقد قدمه أو عينه، و لم يمت جميع أهله في قصف عشوائي، بل حتى إن كان هذا الإنسان يعيش في قصر جميل محاطاً بأحبائه و كل ما تشتهيه نفسه إلى حد معقول، طالما أنه ليس في الجنة فإنه ينبغي أن ينقصه شيء ما، و يحظى بالحق في الشعور بالتعاسة، حتى لو كانت حصة يسيرة، و لا يلزمه حين يحزن أن يشعر بالذنب لأنه محاط بالنعم، و يتهم نفسه بالدلال و الجحود، إن فعل ذلك فسيزيد إلى تعاسته عبئاً آخر و هو احتقار الذات. و تبقى تلك مشاعر تراوده كإنسان، و هي جزء من رحلته الخاصة التي تضعه في ظروف و ابتلاءات حصرية، و قد يكون شعوره و هو يتعرض لعضة نملة دون تجارب سابقة هو ذات الألم الذي يراود إنساناً آخر نهشه كلب و لكن بخلفية خففت عليه حجم النازلة. ليس الألم في صميمه غير محتمل، إنه يشبه شيئًا لا يطاق حين يحتقره المرء و يحاسب ذاته عليه، يصبح الاحتقار كالأكسجين الذي يزيد لهب النار، ما أصعبه من إحساس أن تمر بأزمة نفسية ثم تجد من يخبرك بأن عليك عدم الشعور بذلك لأنك تملك المأوى و الطعام و الشراب! إن هذا أسوأ من أن تتقبل أنك تعيس حتى أذنيك ثم تعيش تجربتك كما تشعر بها، لا يفترض أن..

   يبدو لي هذا مقال تنمية بشرية، إني لم أعتد نظم هذا النوع من المواعظ السطحية المباشرة، إذ إنها تشبه مساحيق التجميل التي لا تبدل الحقيقة في صميمها، من يريد أن يخاطب العقول اللاواعية فإنه ينبغي أن يستخدم شيئًا أقرب إلى قصة أو رواية؛ لأن اللاواعي لا يخاطب بغير لغته، إن الروايات تصبح مفيدة أكثر عند التفكير على هذا النحو. 

   حين أعدت قراءة هذا المقال بدا لي شيقاً، لكن الفكرة تبدو واضحة منذ السطور الأولى، و رغم ذلك أسترسل و أعيد بعبارات مختلفة، و أشعر بالحاجة إلى إكمال المقال، أن أختم بقصة أو مثل أو شيء من هذا القبيل، أيعد الأمر ضرورياً؟ أتساءل، لما لا أكتفي عند هذه النقطة، ربما أحاول جعل مقالي يبدو مميزاً أكثر حين أكتب هذا الكلام، إنها محاولة مبتذلة و مكشوفة، لقد تعودت ألا يقرأ أحد مدونتي سوى والدي في بعض الأحيان، لذلك لم أعد مضطرة لتجميل كتاباتي كثيراً حين أنشرها في هذا المكان المهجور، إلا في حال أحببت تزيينها من أجل نفسي، ما أردت قوله هو أن المقال أو أي شيء يكتب ليس مجرد أوامر و مواعظ، بل تحفة فنية، كان بإمكان ديستويفسكي أن يكتب على لوحة كبيرة: "اشعروا بالفقراء و اعتنوا بهم" عوضاً عن رواية الفقراء الطويلة، و لكن هذا العمل قد أُريد به الفن قبل الموعظة، لو رسم فنان أوراقاً و أغصاناً فسيتضح لمن يراها أنه أراد رسم شجرة، و رغم ذلك لن يعفى من إكمال رسمته، كما لا يعفى شخص من إتمام مقال تجلى مغزاه بوضوح منذ السطر الأول.


تعليقات

المشاركات الشائعة