ثلاث عقول

 أتتحول المدن من أبنية إلى كائنات تفيض بالحياة ? كان ليساورني في ذلك شك قبل أن أشعر بكل مدينة من المدن الثلاث الأقرب إلى قلبي و حياتي عقلاً متكاملاً ، و دفتراً بصفحات من الواقع ، يسطر رؤيتي أو عالمي الداخلي في السنين التي قطنته فيها ، و ما أجملها من مذكرات نفسية و حسية تلك التي تتحول إليها المدن !  أو آلات زمن أو أعمار تجسدت بالشوارع و الطوب . قدري أن أعيش كل عمر في مدينة تشبهه ، تتماهى ذكرياتي مع ملامحها و طباعها، بحري هي متحف الطفولة ، و تبدو كأنها طفل بسيط الملامح ، طيب السجية، و لطيف المعشر، و حين أراها ركاماً تحت عجلات الدبابات، لا أنعيها كمدينة بل كطفولة ، ما توقعت أن تموت بهذه البشاعة. 

    ثم أزور حائل، فأشعر أني أفتح عقل الفتاة المراهقة، هادئة كئيبة لا تكاد ترى في شوارعها إنساناً أو تسمع حساً، نعيش إلى جوار مقبرة واسعة ، نملأ منها أعيننا في أوقات المشي ، و قد انتهى بي الإحساس في تلك الأيام بالوحدة المطلقة ، و كان فضاء حائل الساكن رحباً ليسع ضجيج أفكاري و سنارات أحلامي التي أطلقها لأصطاد المستقبل. 

    حتى غمرت مياه البحر الصحراء القاحلة، و أخذتني إلى الشباب ، على متن أمواج عنيفة أصارعها لأول مرة في حياتي ، و تحاول أن تخطف مني الضحكات و الابتسامات رغم قسوتها ، و تأسرني بجمال ساحر يوقظ داخلي رغبة الحياة ، و أرى في البحر الممتد آمالاً تستريح على صفحته، لعلها تسع الشباب بأسره !   إن كل شيء في الإسكندرية يشبه الشباب ، العقل الذي أعيش داخله إلى حين.



تعليقات

المشاركات الشائعة