الأمير
كان يحيا حياة يخيل لمن يراه فيها أنه يربد في النعيم ، حوله رئتان ناعمتان و إسفنجيتان ، تحتضنانه بحب و تخافان عليه من الهواء الطائر ، فلا تسمحان لهذا الهواء بالدخول إلا ما يحتاجه من غذاء ، و القلب- كما يبدو للرائي- مسترخٍ وسط دفء و حنان و رعاية ، نائم و راقد و ليس بالجالس ، تزينه الأوعية التاجية الجذابة و تخرج من رأسه حواف و جذور تاجه العظيم الذي يتألف من أنابيب ضخمة تتصل بسائر المملكة ، و يرتاح على فراش وثير من الحجاب الحاجز ، و لكي لا يحس سموه بالملل فإن الحجاب الحاجز يتحرك علواً و هبوطاً باستمرار ، فيبدو كما لو أن القلب يرفس على فراشه الخاص ، و لكن كل تلك الرفاهية التي يعيشها لم تتجاوز مجرد قشرة سطحية تغلف قهراً و عبودية لا يراهما أحد ، إنه سجين و ليس ملكاً ، و وحده يحس بسجنه ، يرى القضبان التي تحيطه قفصاً لا جدران تحميه . و كان دوره أن يعزف ليحيا الجميع بموسيقاه ، و عليه أن يعزف طوال الوقت ، بإيقاع واحد رتيب ، و يتظاهر أنه يعزف تلك النوتة بإرادته و مزاجه و إن كانت الحقيقة غير ذلك ، فالمولدات الخاصة عنده في الحجرة اليمنى العلوية التي يعتمد عليها في عزفه لا تعني كما يخيل لجميع الأعضاء أنه متمرد عن سيطرة كهرباء الجسم ، لكنه يبدو متمرداً ، و يحب ألا يظهر غير ذلك ، و يحاول بفنه الذاتي اليائس إثبات استقلاليته دون جدوى ، و كان ذلك الجالس شامخاً على العرش الحقيقي يراقبه بابتسامة هادئة دون أن ينكر عليه محاولاته البائسة ، الدماغ الذي يسخر منه ، و وحده الأمير يدرك ما في ملامحه من سخرية ، و يقرأ في عينيه الباسمتين كلمات يخاطبه بها تخاطراً :" أتحسب أنك حر يا عزيزي ؟ إن الأمر لي في الأول و الآخر " و لم تكن تلك السخرية الباسمة هي كل ما يراه الأمير من هذا الدماغ ، بل إن الأخير يحدق فيه بحزم كلما حاول الإسراع في العزف و تغيير إيقاعه الممل ، و يرسل إليه إشارات و رسائل تهديد خفية لا يراها سواه ، فيضطر القلب للإذعان و تخفيف ضجيج موسيقاه التي لو أطلق لها العنان لجعلته يرفرف من السعادة ، و كان يأمل أن يسعد هؤلاء البسطاء الذين يفرحون بفنه الرتيب المفتعل. و يستمر الدماغ في اضطهاد القلب سراً طوال الوقت ، ذاك الذي يحسبه الجميع الأمير المدلل المتمرد ، الفنان المتألق بحريته . وداخل حجراته الكبيرة غابات معقدة و متشابكة هي ملاذ مخاوفه و أحاسيسه المظلمة التي لا يدركها سواه ، تتوه أسراره بين تلك الأفرع المتلاحمة و تغيب عن الأنظار كذئاب برية ، و يغلق عليها بصماماته ، لا يفتح أبوابه سوى لدماء متدفقة ليس لها ألسنة لتذيع حقيقته ، و لم يكن يهمه سوى ألا يكتشف أحد هذه الحقيقة المخجلة ، لو حدث ذلك فمن سيحبه و يرعاه ؟ و يتخيل في أسوأ كوابيسه أن سره تسرب للأعضاء الجيران ، فأعرضت عنه الرئتان الجميلتان و حرمتاه طعامه و عاطفتهما الحنون ، و كف الحجاب الحاجز عن تسليته بالتقافز طوال الوقت ، و نزع عنه رداؤه و تاجه العظيم ، و لم يعد في نظر الجميع سوى عضلة عادية لا تختلف عن سواها ، و ذروة مخاوفه هي أن تُحتقر موسيقاه ! و ترتفع تلك الهواجس في أشد اللحظات إرهاقاً ، حين يمارس الجسد مجهوداً !! يتحول حينها الدماغ من حكيم هادئ و حازم إلى جلاد لا يعرف الرحمة ، فيلقي بسوطه على أعضاء التنفس و يجلدها كي تعمل بسرعة ، و كان من جملة من يجلدهم الأمير !! و لم يكن المسكين يطيق الذل و الإهانة اللذين يلحقان به حينئذ ، و لا يغتم من ألم الضربات ، بل كله خوف من أن تلوح التفاتة بسيطة من تلك الأعضاء المنهمكة فتكون الفضيحة التي لا كابوس فوقها ! و من حسن حظه أن الأعضاء الخائفة و المشغولة بتنفيذ الأوامر لا تجد وقتاً لتلتفت إلى أحد.


تعليقات
إرسال تعليق