أرض بور
كانت مجرد قصة سمعت بها ثم عشت داخلها ، و كنت قبل ذلك لا أحسب أن أحداً يستطيع العيش في حكاية ليست حكايته ، و لم أومن بأن التضامن بين الشعوب يلمس شعوراً أعمق من مجرد مسؤولية أو شفقة محضة ، حسبت أن البشر طالما فصلت بينهم حدود الجغرافيا و المصالح فلن يكتمل لهم الإحساس ببعضهم البعض ، و ليس ما بينهم سوى واجب تحتمه عليهم الإنسانية ، و فيما يخص الكيان العربي و الأمة العربية فلم أومن بوجود إحساس قوي و مشترك لهذا الحد ، كنت أرى كل إنسان يعيش حياته دون مبالاة بالآخر ، و كل رئيس يحمي حدوده دون مراعاة لتلك الأدبيات ، حتى وجدت في نفسي إحساساً هز كل قناعاتي الماضية ، حين بدأت أبحث عن قضية فلسطين بدافع الواجب ، ثم وجدتني أقع في حب قصة ، و أعيش داخل حكاية ليست حكايتي ، و كنت أتساءل كيف لي أن أشعر بذلك ؟
إني سودانية و لم أعش إحساساً آخر ، ذقت الغربة و راقبت وطني و هو يحترق بالحقد و الطمع و الجشع ، و عرفت ألم الوطن المجروح ، لكني لم أعرف ألم الوطن المسروق ، و لم أخش من اختفاء وطني ، إن أرض السودان مهما تقاتل أهلها و تنازعوا على سلطتها تظل ملكهم ، لم يدخلها غريب و يحاول اقتلاعها منهم ، و كان منطقياً ألا أدرك ذلك الشعور ، ما لي أنا و ذلك الإنسان الذي يراقب وطنه و هو يتضاءل في الحجم و يسرق قطعة وراء قطعة حتى يختفي ؟! و ربما يلاحقني كابوس الانفصال الذي أبكاني على جنوب السودان و أنا طفلة صغيرة ، لكني لم أحس أنه سرق ، بل إني لا أزال أشعر به حتى هذا الحين جزءاً من الوطن الكبير ، حتى لو كان إحساسي وهماً تكذبه الوقائع . يمكن القول إن مأساة السودان مختلفة ، إن السودان مريض يضرب نفسه و يمزق أعضاءه ، عاهته داخله ، و لكنه لا يشبه أرضاً تختفي و تتلاشى كأن الليل يزحف عليها و يلتهمها ، و رغم ذلك أدركت أن المرء يحدث أن يعيش قصة ليست قصته و بكل إحساسه الصادق .
و أراقب فلسطين التي لم تعد مجرد أرض أتعاطف مع قضية أهلها ، و لم أعد أبحث و أهتم بها مدفوعة بالواجب ، بل بات شعوري حقيقياً لا يحمل ذلك العطف ، لأن الإنسان في اعتقادي لا يتعاطف إلا مع شيء لا يخصه ، مع ألم الآخر ، و ليس مع الألم الذي يحتل مساحة مستقلة من شعوره ، و الأرض المسروقة لم تعد قصة أسمعها بل إحساساً أعيشه من بعيد ، و جعلني ذلك أتساءل :" أيمكن أن تختفي الأوطان ؟"
إني أتذكر حكاية لشعب آخر في زمن آخر ، و هي الحكاية ذاتها مع تبديل الأسماء و القوالب ، و يحدث أن تتكرر الحكاوي على مر الزمان ، و أعني بذلك الشعب " الهنود الحمر " الذين لم يكونوا قبائل بدائية و متوحشة ، بل جماعة من البشر غنية الثقافة و متنوعة اللغات ، و عاشوا على أرض كانت لهم المأوى الذي يحتضن جذور حضارتهم البسيطة الساحرة ، حتى أتى عليهم حين من الزمان فلم يعد لوطنهم وجود ، لقد اختفى ، أو قُتل . و الأوطان تشبه النفوس البشرية ، تعيش و تمرض و تصح و تتقاتل و تستعبد ، و تقتل . و جريمة قتل وطن بالكامل تبدو أمراً في غاية الندرة و العجب !! إن الوطن ثقافة و تاريخ و هوية ، و يتطلب الأمر قدراً عالياً من الدناءة و اختلاق الأكاذيب و تشويه التاريخ و الحقائق ، إضافة إلى المجازر و الإبادات البشرية كي تكتمل هذه الجريمة على نحو مثالي ، و رغم صعوبة تحقيق ذلك فهناك أوطان تقتل و تدفن ، و تشيد فوق قبورها قصور جوفاء و مستوطنات و دويلات خسيسة ، و تلك المستوطنات التي تقف فوق الجثث ليست سوى أكوام طوب باردة ، مهما فعلت فإنها لن تستطيع غرس جذور حضارتها و زراعة قيم و مبادئ و ثقافة متينة تعيش عليها ، سيظل تاريخها الأسود يلاحقها حتى لو حاولت تشويهه أو قتله ، حسبها أن تشيد لنفسها حضارة جوفاء و مرهفة لا تقف دون دعامة ، و كيف لها أن تزرع شيئاً ذا بال في أرض ميتة ؟!

تعليقات
إرسال تعليق