ابتسامة سبيل
و ازدانت المواساة بفستان الصيف ، ثياب لبستها أشجار الحديقة على حين غرة و لما أنتبه لها حين انتوت أن تفعل ذلك ، و قد أنهيت امتحاني فخرجت لأجدها تبتسم لي كما لم تفعل منذ أول يوم تعرفت فيه على هذه الحديقة ، و دون أن أعلن علاقتنا بكل أبعادها ، و ارتبطت بشجرة واحدة . و ربما لم تكن الحديقة تبتسم لي ، إنها تبتسم فقط ، بورودها التي ملأتها إشراقاً ، حتى يخيل أن الأوراق انقلبت إلى ورود ، منظر مفاجئ مثل سعادة مفاجئة لم تخطر على بال ، في عز موسم الإمتحانات الثقيل الرتيب . جميلة هي الكلية ، مثل حديقتها ، مثل ثياب الصيف ، جميلة حتى في صقيع الشتاء ، و قد لا تكون خصتني بابتسامتها ، بل يبدو أنها تمثلت كابتسامة سبيل ، تتصدق بسعادتها و زهوها و نضارتها على كل إنسان غريب أو صديق مثلي ، و بعضهم قد لا يستجيب كما ينبغي ، كما يأبى قلبي المثقل بهموم الإمتحانات أن يتفتح للجمال و ينشرح به ، كم هو قلب مستعصٍ رغم خلقته الساحرة .
إن كل شيء يشبه بعضه بعضاً ، الأشجار تتشابه في الثياب ، تفرح معاً و تحزن معاً كجسد نباتي واحد ، و الطب يشبه الكلية التي يُنادى به داخلها ، إنها كلية تليق به كأنها فصلت على مقاسه ، جمال و قسوة اشترك فيها كلاهما ، الطب قاس و صعب المراس ، مهلك النفسية و البدن ، وحش أناني يريد منك وقتك و حياتك ، لكنه مع ذلك وسيم و جميل جمالاً حارقاً ، تفاصيله مهيبة ، يدفعك للإحساس بأنك على تواصل دائم مع عظمة الخالق ، إحساس يشبه النبوة و إن لم يكن يرقى إليها . و المواساة قاسية ، تبدو عبوسة في أيام الإمتحانات عادة ، داخل قاعات المحاضرات تتثائب بملل ، تتسلل من أروقتها و سلالمها طاقات الروتين عائمة كالأنفاس ، كل شيء يذكرك بأنك مقيد داخل محراب ، و أي محراب ؟! إنه محراب عظيم يتطلب منك الإخلاص ، هنا تعبد الله و تعد نفسك للتخفيف عن الأرواح المتعبة و المتألمة ، و ليس لقمع حقيقة الموت ، لأنك ترى الموت في كل مكان ، إن جثث المشرحة و عظام المتحف تذكرك دائماً بألا مهرب من الموت ، و تحس بمسؤولية جاثمة على صدرك تضايق أنفاسك ، تصادق إحساسك الجسدي و أنت مرهق من صعود السلالم تأخذ الهواء بصعوبة حين تتأخر عن المحاضرة ، و رغم كل قسوتها هذه الكلية فهي جميلة و أي جمال !! و إن كنت أخشى الترميز المبالغ فيه ، و أنفر منه ، لكن لا يسعني إلا القول بأن المواساة تبدو بجمالها اسماً على مسمى ، وقعت في منطقة فحملت اسمها ، و حملت قدراً من أعباء الطب الثقيلة بتخفيفها و ترويحها عن النفس و البال.


تعليقات
إرسال تعليق