يا ابن العشرين

 


ليست مشاعر جديدة ، لقد وصفت مراراً و تكراراً بعمر الإنسانية ، و يأتي في كل مرة جيل جديد ساذج ، يبدع و يتمنطق في وصف المشاعر نفسها كأنه أول من وصفها ، يكتب عن الحب و الوطن و الأمومة ، و عن كل تلك الرموز التي شبعت أشعاراً ، كأنه أول من يكتب عنها ، و تمضي الحياة و تتراكم القصائد و اللوحات و الأوصاف كالجبال المتكتلة ، حتى تطغى على كل ما كان يحلو وصفه و تدفنه تحتها ، و تتوالى الأجيال الساذجة ، و كل شيء معاد ، و الحياة شبه مكتشفة ، من الآمن ألا يجزم المرء بشيء ، لكن الغموض أصبح قطعة نادرة ، و الأجداد وصفوا كل شيء حتى السماء و القمر و الشمس ، و من أين أتى الكون و إلى أين المآل . و لم يعد أمامك سوى أن تعيش تجربتك الذاتية ، أن تتجاهل الألفية الكاملة وراءك و ما كان قبلها ، و تعتبر نفسك ابن الألفية الأولى ، و تكشف عن الكون الغطاء كأنك الإنسان الأول ، غض الطرف عما قيل  و عش كأنك لم تسمع عن الحياة شيئاً ، إنك لا تحمل وراءك عشرين قرناً بل عشرين سنة ، لكنها شيخوخة مزيفة تلك التي تنتابك ، لقد عاشوا هم و لم تعش أنت ، اعتبرتها محرمة ، تلك التجارب الحسية التي عاشها أجدادك ، أضيفت إلى وعيك فازددت عمراً و إلى سنينك العشرين قروناً ، و لو أنك تغض النظر عن كل ما قيل و تعيش عمراً حقيقياً ، فإن الحب و الوطن و الأمومة و كل المشاعر ستكون بكراً جديدة مثل ورود لتوها متفتحة ، و ستنسم الشوق عبيراً إلى كل هبة حسية و روحية ، و تحس بالحياة تتدفق داخل جسدك و روحك ، حينئذ سترفع يديك و قلبك يسبح: يا لسعة السماء و زرقتها! الشمس متوهجة كجوهرة و البحر أزرق و ممتد و الجبال شاهقة ! ستقولها كأنك أول من اكتشف ذلك ، إن الحياة الحقيقية هي أن تحس أنك الإنسان الأول .

تعليقات

المشاركات الشائعة