الجدة و الوطن
تدخل فتاة شابة إلى بيت طيني بسيط و معروش ، و تتجه إلى " راكوبة " في منتصف الدار ، تحت الراكوبة عدد من الأسرة المفروشة ، مرصوصة و موزعة على أرض رشت بالماء فبانت رائحتها المنعشة ، و تجلس على أحد الأسرة سيدة كبيرة في السن ، وضاءة الوجه إشراقاً يعكس سريرة نقية ، تميل على "كانون" بجانبها عليه مقلاة تقلب فيها حبات البن الأسود ، و يتطاير الدخان الأسود مثل جني يحاول أن يتشكل في الهواء . تقترب الفتاة و تجلس على سرير بجانب السيدة ، و تلقي التحية بأدب : السلام عليكم يا جدتي ، كيف صرتِ ؟
و كانت تسأل بحنين و ارتباك ، رغم ذلك تسيطر عليها غشاوة الحلم التي تلجم اندفاعها و تطمس وعيها ، فترد عليها الجدة بحنية :
حبابك يا بنتي ، عدت من المدرسة باكراً اليوم ..
لم تلتفت الجدة للبنت ، و إن كانت أذنها الخبيرة قد التقطت التغير الكامن في نبرة صوتها ، و قالت الفتاة :
ما عدت من المدرسة يا جدتي ، إني طالبة في الجامعة ..
و لم يبد على الجدة أنها اندهشت ، بل سألت بهدوء و هي تحرك البن :
كيف ذلك ؟ كم عمرك يا حفيدتي ؟
أجابتها الفتاة الشابة : إني على وشك بلوغ العشرين ، أتصدقين أني قد كبرت بسرعة ؟
لم تعلق الجدة ، فأردفت البنت : و أدرس في كلية الطب ، إني قد كنت أطمح إليها في صغري ، و تمنيت أن تشهدي تحقق هذا الطموح على أرض الواقع .
ابتسمت و قالت بنبرة فرحة دافئة : ما شاء الله يا حفيدتي ، هذا ما تمنيته لك ..
اقتربت البنت أكثر و جلست على الأرض بجانب الكانون ، تراقب يد جدتها تتحرك بمهارة و انسيابية و هي تمسك الملعقة و تحرك البن ، و تستنشق رائحة قوية و مريحة . و بعد فترة صمت تكلمت الفتاة : لماذا لا تعودين ؟
أجابتها الجدة بهدوئها المعتاد : ألست اعتدت على غيابي ؟
غمغمت الشابة و هي تخط على التراب مثل طفلة : كيف أتعود و أنت سرقت معك معظم كنوزنا و ممتلكاتنا ، و تركتنا فقراء معدمين ، بؤساء مشردين.
قالت الجدة بعد أن أمسكت بقطعة قماش و رفعت بها الطوة لتهزها : إني لا أسرق يا حفيدتي ، ألا تنتبهين لكلامك ؟!
ردت الفتاة بحدة رافقها بعض العناد : بلى سرقت ، اتركيني أفتش خزانة ثيابك ، أو أدخل إلى مخزنك الذي تضعين فيه البصل ، أو أنظر تحت ألحفة الأسرة ، إني واثقة أنك تخبئين هناك تلك الكنوز التي سرقتها منا ، أفلا يكفينا أنك تركتنا ؟
رددت الجدة بإصرار و تركيزها في المدق الذي تحمله و تطحن به البن ، فتصدر صوتاً موسيقياً متجانساً بضرباتها :
إني لا أسرق يا حفيدتي ..
واصلت البنت و هي تحدق حولها كأنها تبحث عن تلك الكنوز : فأين صفاء الطفولة المسالمة التي ربيتها في بيتك ؟ و لم تجد بعد موتك بيتاً تلعب فيه فلحقت بك ! و التراب الطاهر الذي ترشينه بالماء قد رش بالدماء و لم يعد طاهراً ، و الحرب من بعدك التهمت الأخضر و اليابس ، و أصبحت العودة للوطن حلماً ، بل إن الوطن هو من اغترب و رحل بعيداً ، و إني أراه حولك في قسمات هذا البيت ، فاسمحي لي أن آخذه معي و أعود به ، و قهوتك يا جدتي ، ألا تناولينني فنجاناً فقد اشتقت إليها و إلى مذاقها أتوق.


تعليقات
إرسال تعليق