المذهول
إنه يفيق من نومه ، مثل كل يوم ، و لكن في ذلك الصباح تحديداً ثمة شعور غير مألوف ينغز صدره ، و هو لا يعرف ما هو ذلك الشعور بالضبط ، ليس انزعاجه الصباحي المعتاد و تأففه من العمل ، و هو ليس شعوراً مدرجاً في قاموس الأحاسيس التي بإمكانه تفسيرها ، و محاولته لتفسيره تزيد من حدته و غموضه ، دوناً عن أنه ليس مهتماً بتفسيره . يقوم الرجل و يستعد لعمله ، ثم ينزل إلى الطابق السفلي متوقعاً أن يحاط بضجيج زوجه و أبنائه كالعادة ، لكنه لم يجد أحداً ، المنزل كان ساكناً تماماً ، الرجل لم يتعجب ، رغم أنه لا يعلم أين اختفت أسرته ، لكنه لم يشعر بأي عجب ، انتابه إحساس فظيع بالوحشة و الرتابة ، و ليس الاستغراب ، و ذلك لأنه أصيب بنزلة برد حادة قبل شهور ، و شفي من تلك النزلة ، لكنه فقد قدرته على الشعور بالدهشة و الذهول ، احتار الأطباء من هذا العرض الغريب الذي لم يجدوا له تفسيراً ، و حسام هو وحده لم يشعر بالحيرة فمرضه حرمه هذه الحاسة . أعد لنفسه إفطاراً خفيفاً و خرج إلى الشارع ، ركب سيارته ، و كان الطريق خالياً من سواه ، و لم يسأل نفسه أين ذهب الجميع رغم أن إنساناً واحداً لم يقابله في الطرق الخاوية ، وصل إلى الشركة و كانت فارغة كذلك ، فدخل و جلس في مكتبه و أدى عمله على أكمل وجه ، ثم غادر إلى البيت ، و خلد ليلته تلك لينام دون أن يخطر بباله أي تساؤل. و سارت بقية الأيام على هذا النمط ، لا أحد موجود ، هو يعيش فقط مع نفسه ، إنه لا يريد أن يعلم أين ذهبوا ، ليس مهتماً ، لكن الملل يقتله ، و الوحدة تخنقه بقبضتها الباردة و المؤلمة ، إنه يريد أن يسمع صوت أي إنسان خارج هذه الذات التي حفظها و ملها ، يريد أن يرى ملامح بشر حي ، لكن لا أثر لإنسان ، و قد باتت تلك محض أمنية لا سبيل إليها . مر شهر و شهران و توالت الشهور ، حسام بدأ يفقد عقله ، و قرر أن يجرد من نفسه شخصيات تملأ فراغه ، ذهب و أحضر عدداً ضخماً من المرايا و رصها في كل مكان في البيت ؛ لكي يتيح لنفسه رؤيتها كبشر متعددين ، و بدأ يمثل دور زوجه أحياناً ، و دور كل طفل من أطفاله أحياناً أخرى ، فيقلد صراخ زوجه منى على أحد أبنائه ، ثم يعود ليرد عليها و يخبرها أن ترفق بالطفل المسكين ، و كان يبذل جهده في التمثيل ، و رغم ذلك لم يؤد غايته ، كان تمثيله رديئاً و مصطنعاً إلى حد كبير ، و شعر أنه مهما حاول أن يبدو فهو لا يعكس سوى صورة حسام ، إنه لا يستطيع أن يتكلم أو يفكر إلا كما يفعل حسام ، و قد بدأ رويداً رويداً ينسى طباعهم و ملامح وجوههم ، حتى لم تتبق له ذكريات يستعين بها في تمثيله الزائف . خرج حسام ليستنشق الهواء و هو يحاول أن يعتاد على هذه الرتابة الخانقة ، لكن شعور الاعتياد نفسه كان هو السجن الذي يريد الخلاص منه ،الملل القاتل ، هذا ما أحسه بقوة بعد أن دخل و عاد ليبصر صوره في المرايا المعلقة ، أيمكن لإنسان أن يمل نفسه لهذه الدرجة ؟ إنه لا يذكر أنه استطاع أن يحب أحداً أو يحب شيئاً في حياته منذ زمن طويل ، لكنه يكره أن يبقى عالقاً مع ذاته ، ثم بدأ يتساءل في فضول لأول مرة : أين يا تراهم ذهبوا ؟
و هنا ظهرت في عينيه لمعة جديدة من الشغف و التساؤل ، و أدرك بحكم البديهة أن تأثير نزلته اللعينة قد زال ، و نام في تلك الليلة و هو مذهول حتى النخاع من هذا الاختفاء الشامل . و في صباح اليوم التالي ، أفاق على أصوات و صيحات ملأت عليه صدره مثل الهواء الطلق ، فهرع مسرعاً ليجد زوجه و أطفاله يجرون الحقائب و يدخلون إلى البيت ، فلم يتمالك نفسه ، فاندفع - و كان نادراً ما يظهر لهم أدنى عاطفة - نحوهم و أخذ أطفاله و زوجه بين أحضانه وسط دهشتهم من سلوكه الشاذ ، ثم سأل زوجه منى بصياح :" أين كنتم ؟ و كيف تختفون كل هذه المدة دون أن تعلموني بشيء ؟! " لكن منى لم تجبه ، بل ضحكت في وجهه و تركته يتساءل و هو منزعج من صدها و تجاهلها ، لماذا لا تريد أن تشرح له ؟! و فكر لوحده في إجابة تشفي غليله ثم أدرك أن دهشته هي التي أعادت الحياة من حوله ، و هي التي ستبقي عليها ، فلم يعد يسمح لتلك النفس بالعودة إلى حالها القديمة ، كان ينبغي أن يحافظ على هذه الشعلة متقدة طوال الوقت ، فأخذ يظهر الدهشة تكلفاً من أبسط التفاصيل التي تحيطه ، كأن يرى عصفوراً فيأخذ في التساءل عن ماهيته و ذاته و ألوان ريشه ، ثم يمضي و هو يحدق حوله متأملاً الأشكال الهندسية و الألوان ، و يمد يديه ليتحسس ملمس كل مادة محاولاً أن يندهش من غرابة الوجود ، كان يجد صعوبة في البدء من أن ينظر لأمور اعتاد عليها تلك النظرة الجديدة الغضة ، ثم ما يلبث أن يندمج في حاله فتغمره دهشة عميقة ، و يحس بانفصال تام كأنه طفل رضيع يرى العالم لأول مرة و لكن بوعي ، و حين يصل لتلك الحال تغمره نشوة تحلق به فوق الغيم ، فيرى الناس جميعاً و الحياة كلها من فوق ، و يشعر بالوجود كهبة عظيمة لا تقدر بثمن ، فينطلق الفرح و الطرب متدفقاً بين ضلوعه كأنما سقي زجاجة خمر من نوع قوي ، و لشدما شعر أن إحساسه كإحساس السكير رغم أنه ليس سكيراً ، و لكن تلك الدهشة تفتر ما إن يضطر حسام للغوص في تفاصيل حياته اليومية ، فيعود لرؤية كل شيء دون أي إحساس مميز ، و تسيطر عليه الرتابة من جديد ، كأنه هبط من أعلى الغيم الذي كان يتمشى فوقه إلى أغوار كهف في باطن الأرض ، و حين يفيق و قد اختفت دهشته تماماً يجد نفسه وحده ، كما كان من قبل ، يختفي الناس جميعاً و يهاجرون إلى حيث لا يعلم ، فتنقبض نفسه و يحس بالوحدة و الاختناق ، ثم يتساءل بذهول : لماذا يهاجر الجميع حين أكف أنا عن الدهشة ؟ و ذهوله في ذلك الحين كالسحر يجلب وقع الضجيج.


تعليقات
إرسال تعليق