مقبرة في الفناء
هناك تكدست أعداد مهولة من اللوحات في كل ركن من أركان الفناء القاحل الخرب ، جميعها كانت لوحات متشابهة تحمل الطابع نفسه والألوان نفسها . في منتصف الفناء كان الفنان يجلس على كرسي خشبي وأمامه صفحة بيضاء وبجانبه طاولة رصت عليها أعداد من الأقلام التي كانت كلها سوداء ، حدق الفنان في اللوحة عن كثب ثم امتد ناظره للفراغ القاحل من حوله، وتذكر كيف كان ذلك الفراغ يوما ما حديقة مبهرة وفاتنة ، على ذلك الركن كانت هناك نافورة ترش الماء الذهبي وتنحني الطيور الملونة لتشرب منها ، وهناك كانت ثمة أشجار يتدلى منها ما لذ وطاب من الثمار ، حتى ألوانه في ذلك الوقت كانت مكتملة منها الأزرق والأحمر والأخضر ، ولم تجف الجنة مرة واحدة ولم تسرق ألوانه كلها دفعة واحدة ، في كل يوم تموت زهرة ويختفي لون ، ويحس الفنان بالألم وهو يراقب ذبول حديقته دون أن يسعه فعل شيء لحمايتها ، حتى وصل بها الحال إلى مجرد أرض قاحلة ، فامتلأت لوحاته بالصخور والتراب والمزيد من الصخور والتراب إذ إن عينيه لم تريا شيئًا آخر ، و قد أصابه الملل من رسم الحصى فقرر التوقف عن الرسم ، لكنه لم يستطع أن يجد شيئًا آخر لفعله فالتحديق أشد مللاً من رسم الحصى . خطرت له لوحة في لحظة ما فكانت مثل شرارة لهب تمس قلباً من جليد ، وإذا به يرسم حفرة عميقة في منتصف الفناء ثم يقترب وهو يحمل مجرفة ويبدأ الحفر دون كلل وبعد أن ينتهي يدنو من الحفرة العميقة ويمدد جسمه فيها ثم يغمض عينيه باستسلام وينتظر أن يرسل الله الرياح فتدفن هذا الجسد الذي غادرته الروح . و لم يكن ذلك الفنان قد دفن نفسه في أرض قاحلة كما كان يراها بعينيه ، بل في منتصف جنة خضراء لا تزال تنبض بالحياة.


تعليقات
إرسال تعليق